أزيلال زووم ـ الإدارة
بقلم : الدكتور رضوان المصطفى
شهدت هده السنة الأخيرة من الولاية الحكومية تحولاً جذرياً في كيفية تعاملها مع السياسات العمومية. لم يعد التركيز منصباً فقط على "صياغة" السياسات، بل انتقل الثقل نحو "التنفيذ المُعجّل (لمواجهة التحديات المتسارعة مثل الأزمات الاقتصادية، التحول الرقمي، والتغيرات المناخية ويؤكد الخطاب الرسمي التوجه الاستراتيجي في مجال التشغيل، حيت فرضت عوامل على تبني منهجيات سريعة في التنفيذ
تزايد التوقعات المجتمعية: لم يعد المواطن يقبل بوعود تمتد لعقود؛ بل يبحث عن أثر ملموس في الأمد القريب.
الثورة التكنولوجية: وفرت الأدوات الرقمية إمكانيات للمتابعة اللحظية وتقليص البيروقراطية.
الأزمات الطارئة: مثل جائحة كوفيد-19، التي أثبتت أن القدرة على التنفيذ السريع هي الفارق بين النجاح والفشل المؤسسي.
ان التطور الملحوظ في سياق التنفيذ المُعجّل للسياسات العمومية ليس اداءا إدارياً، بل هو ضرورة حتمية لضمان استمرارية العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. النجاح في هذا المسار يتطلب مزيجاً من الإرادة السياسية، الابتكار التكنولوجي، والمرونة المؤسسية دالك ما نحاول تحليله بمقاربة اقتصادية على الصعيد الوطني والجهوي
1. التشخيص الاقتصادي في سياق التنفيذ المُعجّل لسياسات التشغيل
إن استخدام مصطلح "التنفيذ المُعجّل" في الخطاب الحكومي يتجاوز البعد التقني ليشكل رسالة سياسية قوية. هو إعلان عن الانتقال من "حكومة تدبير الأزمات" إلى "حكومة الإنجاز الممنهج".
تستند الدينامية الحالية التي يشهدها سوق الشغل إلى ثلاث ركائز أساسية، شكلت جسراً متيناً حوّل "النوايا السياسية" إلى "مناصب شغل" واقعية، وهي:
أ. ميثاق الاستثمار الجديد (المحرك الهيكلي): لم يعد الاستثمار في الفكر الحكومي الحالي غاية في حد ذاته، بل صار "الاستثمار المنتج لمناصب الشغل" هو المعيار الأسمى لنجاعة السياسات. ومن هذا المنطلق، جاء ميثاق الاستثمار الجديد ليوفر نظاماً متطوراً من المنح الاستثمارية، الموجهة بشكل استراتيجي نحو المناطق والأنشطة الأكثر خلقاً للفرص. وقد نجحت هذه المقاربة في تقليص الفجوة التقليدية بين معدلات النمو الاقتصادي وبين خلق الثروة البشرية، مما جعل كل درهم مستثمر يصب مباشرة في مصلحة التشغيل.
ب. المقاربة المندمجة للمقاولات: عبر تبني رؤية إصلاحية شاملة، انتقلت الدولة من دور "الرقيب" الإداري إلى دور "المحفز" الاقتصادي. وقد تجلى ذلك في تسهيل الولوج إلى التمويل وتبسيط المساطر الإدارية المعقدة، مما خلق بيئة ثقة سمحت للمقاولات الصغيرة والمتوسطة بالتوسع والتوظيف في ظروف آمنة ومستقرة. إن هذا التحول النوعي مكن النسيج المقاولاتي من استعادة حيويته وتحمله لمسؤوليته كخالق رئيسي لفرص العمل.
ج. برامج القرب (أوراش وفرصة): تمثل هذه البرامج "الاستجابة السريعة" والذكية للإدماج الاقتصادي الفوري، حيث عالجت تحديات التشغيل من زاويتين متكاملتين:
برنامج أوراش: الذي قدم حلولاً مبتكرة، تجمع بين المؤقت والمستدام، لفائدة الأشخاص الذين يواجهون صعوبات كبرى في الاندماج المهني، مما ساهم بشكل مباشر في خفض ضغط البطالة الفوري وتقديم دعم اجتماعي عبر العمل.
برنامج فرصة: الذي راهن على طاقة الشباب وعزز روح المقاولة لديهم، ليس فقط عبر التمويل، بل من خلال المواكبة والتكوين، محولاً بذلك الآلاف من الشباب من وضعية "الباحثين عن العمل" إلى "خالقين له"، مما يضمن استدامة الدينامية الاقتصادية على المدى الطويل.
2. حصيلة قطاعية شاملة: نحو نموذج اقتصادي متنوع ومستدام
تعكس المؤشرات المسجلة لعام 2025 تحولاً استراتيجياً في بنية الاقتصاد الوطني، حيث لم يعد الانتعاش محصوراً في مجال ضيق، بل أصبح انتعاشاً متعدد القطاعات بامتياز. هذا التوجه يبعث برسالة طمأنة قوية للرأي العام، مفادها أن النموذج التنموي المغربي يخطو بثبات نحو تنويع مصادر النمو، متجاوزاً التبعية التقليدية لقطاع الفلاحة الذي يظل رهيناً بالتقلبات المناخية والإجهاد المائي.
خارطة النمو المرتكزة على التنوع: تؤكد المعطيات الرسمية أن المحركات الأساسية لهذه الدينامية تتوزع بشكل متوازن، حيث تقود السياحة والفلاحة القاطرة، تليها مباشرة قطاعات الصناعة، والبناء، والأشغال العمومية (BTP). هذا التوزيع القطاعي ليس مجرد أرقام، بل هو دليل على صلابة الاقتصاد في مواجهة الصدمات الخارجية والمناخية.
دلالة نمو التشغيل في الصناعة والبناء: يُعد ارتفاع وتيرة التشغيل في قطاعي الصناعة والبناء تحديداً مؤشراً إيجابياً بالغ الأهمية، وذلك لسببين جوهريين:
خلق وظائف لائقة: توفر هذه القطاعات مناصب شغل تتسم بالاستقرار والحماية الاجتماعية، مقارنة بالأنشطة غير المهيكلة أو الموسمية، وهو ما يتماشى تماماً مع طموحات "الدولة الاجتماعية".
يعكس هذا التطور نجاح الرؤية الصناعية للمملكة، التي تهدف إلى جعل الصناعة محركاً مستداماً لخلق القيمة المضافة، وتوطين الاستثمارات، وامتصاص البطالة بين الكفاءات الشابة.
إن هذا "التطور الملحوظ" في قطاعات البناء والأشغال العمومية والصناعة يترجم رغبة الحكومة في الانتقال إلى اقتصاد أكثر مرونة، حيث تصبح القيمة المضافة ناتجة عن استمرارية مناصب الشغل وجودتها بعيداً عن إكراهات السماء.
3. استراتيجية الإدماج المهني: بين الطموح النوعي والتحديات البنيوية
يمثل فقرة تعزيز الإدماج المهني للشباب والنساء جوهر البعد الاجتماعي للسياسة التشغيلية الحالية، وهي إقرار صريح بأن النجاح في ملف التشغيل لا يُقاس فقط بالكمّ الإجمالي للمناصب المخلوقة، بل بمدى قدرتها على النفاذ إلى الفئات الأكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية.
اعتراف بالفجوات البنيوية: إن تركيز الحكومة على "الشباب" و"النساء" يعكس وعياً بوجود اختلالات تاريخية وعميقة في بنية سوق الشغل الوطني؛ فمعدلات البطالة لا تزال تسجل مستويات مقلقة في صفوف الشباب الحضري (15-24 سنة)، كما أن الفجوة الجندرية تظل عائقاً أمام التنمية الشاملة. ومن خلال هذا التوجه، تؤكد الحكومة أن خلق فرص العمل يجب أن يكون "نوعياً" وموجهاً، وليس مجرد استجابة لآليات السوق التلقائية.
معضلة المشاركة النسائية وجودة الوظائف: رغم الدينامية الكمية المسجلة، يبرز تساؤل جوهري حول "جودة" هذه الوظائف ومدى قدرتها الفاعلة على استيعاب النساء. فالتحدي الأكبر الذي يواجه صدقية مصطلح "التطور الملحوظ" هو الأرقام الصادمة المرتبطة بمشاركة المرأة، والتي لا تزال تراوح مكانها دون عتبة 20%.
النيّة مقابل الفيصل الرقمي:
يُسلط النص الضوء على "النية الإرادية" للدولة عبر برامج استباقية، لكن التقييم الحقيقي لنجاح هذا البعد الاجتماعي يظل رهيناً بالمعطيات التفصيلية للفئات المستهدفة:
ـ هل تساهم الوظائف الجديدة في خفض معدلات "الشباب خارج التعليم والشغل والتدريب؟
ـ هل تنجح السياسات الحالية في كسر الحواجز التي تمنع النساء من ولوج سوق الشغل المنظم؟
إن الأرقام الإجمالية (850 ألف منصب) تمثل إنجازاً مهماً، لكن "الفيصل" في تقييم النجاح الاستراتيجي يكمن في قدرة هذه الدينامية على تحويل سوق الشغل إلى فضاء دامج يقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ويجعل من "الإدماج" حقيقة إحصائية ملموسة لا مجرد شعار في البرامج الحكومية
4. أفق 2026: نحو خلق "كثيف" لفرص الشغل وتكريس الريادة الاقتصادية
يختتم المسار التدبيري الحالي بنظرة استشرافية طموحة تضع "الخلق الكثيف" (Massive) لفرص الشغل كهدف أسمى لنهاية عام 2026.
إن اختيار مصطلح "كثيف" يحمل دلالة تتجاوز الوصف الكمي؛ فهي أداة تعبئة سياسية واقتصادية تهدف إلى شحذ همم الفاعلين المؤسساتيين، وجلب ثقة المستثمرين المحليين والدوليين عبر رسم أفق واضح المعالم للنمو.
واقعية الرقم القياسي (مليون منصب شغل):
إن الهدف المعلن من طرف رئاسة الحكومة، والمتمثل في تجاوز عتبة مليون منصب شغل مُحدث بين 2021 ونهاية 2026، لم يعد مجرد طموح نظري، بل أصبح هدفاً قابلاً للتحقق من الناحية الإحصائية.
ـ فلبلوغ هذا الرقم، يتطلب الأمر خلق ما لا يقل عن 150,000 منصب إضافي خلال عام 2026.
ـ وبالنظر إلى أن الوتيرة السنوية الحالية بلغت بالفعل 170,000 منصب في القطاعات غير الفلاحية، فإن بلوغ الهدف يبدو مساراً واقعياً ومنطقياً يعكس استدامة الدينامية الحالية.
المحفزات الاستراتيجية: زخم "مونديال 2030": تستفيد هذه الآفاق من "رياح خلفية" قوية تتمثل في انطلاق المشاريع الكبرى المرتبطة باستضافة المغرب للتظاهرات الرياضية العالمية، وعلى رأسها كأس العالم 2030. هذه المشاريع بدأت بالفعل في ضخ سيولة استثمارية ضخمة ودينامية غير مسبوقة في قطاعين حيويين:
1. قطاع البناء والأشغال العمومية (BTP): عبر أوراش البنيات التحتية والملاعب والطرق.
2. قطاع الخدمات والسياحة: الذي يتحضر لاستقبال ملايين الزوار، مما يتطلب تعبئة بشرية هائلة.
إن أفق 2026 يمثل لحظة الحقيقة للسياسة التشغيلية. فالتدفق المستمر للاستثمارات، مدعوماً بميثاق الاستثمار الجديد والزخم الذي تفرضه الاستحقاقات الدولية، يجعل من "التنفيذ المعجل" الضمانة الوحيدة لتحويل هذه الآفاق إلى استقرار اجتماعي وازدهار اقتصادي ملموس يطال كافة فئات المجتمع المغربي الا انه يصطدم هذا الطموح بخصوصيات مجالية تتطلب مقاربات "محلية" تراعي وعورة التضاريس وموسمية الأنشطة الاقتصادية.
5. التشغيل الجهوي بإقليم أزيلال: التحديات الجبلية وفرص الإدماج الاقتصادي
يرتكز التشغيل في أزيلال على ثلاثة دعائم أساسية، تعاني جميعها من تقلبات بنيوية:
الفلاحة الجبلية والمعيشية:
تشغل النسبة الأكبر من الساكنة القروية، لكنها تعاني من الجفاف وضعف المردودية، مما يدفع نحو الهجرة الموسمية.
السياحة الإيكولوجية والجبلية:
(مثل شلالات أوزود، وزاوية أحنصال، وآيت بوكماز) تمثل مصدراً هاماً للوظائف غير المباشرة (المرشدين، الإيواء، الصناعة التقليدية)، لكنها تظل موسمية.
قطاع البناء والأشغال العمومية:
يعتبر حالياً المحرك الأساسي للتشغيل بفضل "برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية" الذي أطلق أوراشاً كبرى لفك العزلة.
تنزيل برامج التشغيل الاستباقية بإقليم أزيلال: برنامج "أوراش" نموذجاً
يمثل تنزيل برامج التشغيل الاستباقية في إقليم أزيلال تجربة متميزة في ملاءمة السياسات الوطنية مع الخصوصيات المجالية للمناطق الجبلية. وقد شكل برنامج "أوراش" رافعة أساسية للاستجابة للاحتياجات المحلية الملحة، محققاً نتائج ملموسة من خلال مدخلين أساسيين:
أوراش عامة مؤقتة ذات أثر محلي:
استهدف البرنامج إطلاق مجموعة من الأوراش ذات المنفعة العامة التي تتناسب مع الطبيعة الجغرافية والإدارية للإقليم، ومن أبرزها:
صيانة الطرق والمسالك الجبلية:
وهو ورش حيوي لضمان استمرارية فك العزلة عن المداشر والقرى النائية.
تشجير وفلحة الفضاءات:
للمساهمة في الحفاظ على النظم البيئية الجبلية ومواجهة آثار التغير المناخي.
رقمنة الحالة المدنية والأرشيف:
تحديث الخدمات الإدارية بالجماعات القروية لتسهيل ولوج المواطنين للخدمات الأساسية.
إدماج الفئات الهشة والحد من النزوح:
نجح البرنامج في تقديم إجابات عملية لمعضلة البطالة في صفوف الفئات التي تجد صعوبة في ولوج سوق الشغل الكلاسيكي، خاصة:
استهداف الشباب غير الحاصلين على شهادات:
عبر توفير فرص شغل ميدانية تعتمد على المهارات العملية والقدرة على العمل في الظروف الجبلية الصعبة.
تعزيز الاستقرار السكاني:
ساهمت هذه الفرص في تشجيع الشباب على الاستقرار في مناطقهم الأصلية، مما قلص بشكل ملحوظ من وتيرة النزوح نحو المدن الكبرى المجاورة مثل بني ملال أو مراكش، وهو ما يعزز التوازن الديموغرافي والاجتماعي للإقليم.
إن نجاح تجربة "أوراش" بأزيلال يؤكد أن التدخل الإرادي للدولة، حينما يزاوج بين "النجاعة الإدارية" و"الخصوصية المجالية"، يمكنه خلق دينامية حقيقية حتى في المناطق الأكثر عزلة
برنامج "فرصة" والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH): رافعة للاقتصاد التضامني
في إطار تعزيز المبادرة الفردية والعمل الجماعي المنظم، ركزت التدخلات عبر برنامج "فرصة" والمرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بإقليم أزيلال على دعم "الاقتصاد التضامني" كخيار استراتيجي يتلاءم مع المؤهلات الطبيعية والبشرية للإقليم. وقد تمحور هذا الدعم حول قطبين أساسيين:
تمويل وتأهيل التعاونيات النسائية:
شكل الإقليم مختبراً حقيقياً لتثمين المنتجات المجالية التي يزخر بها المجال الجبلي، حيث تم توجيه الدعم لفائدة التعاونيات النسائية المتخصصة في:
تثمين المنتجات المحلية: مثل الجوز، الزعفران، العسل، والأعشاب الطبية والعطرية.
تحسين سلاسل القيمة:
عبر توفير التجهيزات التقنية للإنتاج، والتلفيف، والمساعدة على التسويق، مما ساهم في رفع دخل النساء القرويات وتحقيق استقلاليتهن المادية، محولاً هذه الأنشطة التقليدية إلى "مقاولات اجتماعية" مدرة للدخل والربح.
دعم مقاولات الشباب والابتكار الأخضر:
استهدف برنامج "فرصة" والمبادرة الوطنية طموحات الشباب في مجالات حيوية تخدم التنمية المستدامة للإقليم، ومن أبرزها:
السياحة المستدامة والإيكولوجية:
تمويل مشاريع دور الضيافة، والمآوي الجبلية، ووكالات الإرشاد السياحي التي تعتمد على السياحة المسؤولة، مما ساهم في الحفاظ على الموروث الطبيعي وتوفير فرص شغل للشباب في قراهم.
الخدمات المرتبطة بالطاقة الشمسية:
دعم المقاولات الناشئة التي توفر حلول الطاقة النظيفة في القرى النائية، سواء لأغراض السقي بالتنقيط أو الإنارة المنزلية، وهو ما يزاوج بين خلق مناصب شغل تقنية وبين مواكبة التحول الطاقي الذي تنهجه المملكة.
إن هذا التكامل بين الدعم المالي والمواكبة التقنية جعل من برامج القرب بأزيلال أداة حقيقية لتحويل التحديات الجغرافية إلى فرص استثمارية، مع مراهنة واضحة على "النوع الاجتماعي" و"الاستدامة" كركائز للنمو الإقليم
6. التحديات الكبرى للتشغيل بإقليم أزيلال: إكراهات البنية والمجال
رغم المجهودات المبذولة والدينامية التي أطلقتها برامج التشغيل، يواجه إقليم أزيلال تحديات بنيوية معقدة تحدُّ من قدرة سوق الشغل المحلي على استيعاب كافة الطاقات البشرية، وتتمثل هذه المعيقات في ثلاثة محاور رئيسية:
ضعف النسيج المقاولاتي المحلي:
يعاني الإقليم من غياب مناطق صناعية كبرى أو وحدات إنتاجية ضخمة قادرة على خلق فرص شغل قارة ومستدامة. هذا الضعف البنيوي يجعل قطاع التشغيل رهيناً بشكل كبير بـ:
الصفقات والطلبات العمومية:
التي تطلقها الدولة أو الجماعات الترابية، وهي استثمارات مرتبطة بميزانيات سنوية وأوراش محددة زمنياً.
المبادرات الفردية الصغرى:
التي تظل محدودة الأثر من حيث القدرة على التوظيف الواسع، مما يكرس نوعاً من "الهشاشة المهنية" المرتبطة بتقلبات السوق المحلي.
الفجوة بين التكوين المهني ومتطلبات السوق:
تبرز إشكالية عدم الملاءمة بين العروض التكوينية المتاحة وبين الحاجيات الفعلية للاقتصاد الإقليمي، حيث تظهر حاجة ماسة لتطوير تخصصات نوعية تتماشى مع هوية الإقليم، مثل:
مهن السياحة الجبلية والإيكولوجية:
التي تتطلب كفاءات لغوية وتقنية متخصصة في التدبير السياحي الجبلي.
التقنيات الفلاحية الحديثة:
لمواكبة التحول نحو الفلاحة التضامنية وتثمين المنتجات المجالية.
المهن الخضراء:
المرتبطة بالطاقات المتجددة وتدبير الموارد المائية، وهي تخصصات لا تزال دون الطموح في مراكز التكوين الحالية بالإقليم.
عائق الجغرافيا وعزلة المسالك:
تلعب وعورة التضاريس دوراً سلبياً في كبح الدينامية الاقتصادية، حيث تساهم عزلة المسالك في:
رفع كلفة الاستثمار:
مما ينفر الرأسمال الخاص من دخول المناطق البعيدة لصعوبة اللوجستيك.
صعوبة التنقل نحو مراكز التشغيل:
حيث يجد الشباب والنساء، خاصة في المداشر النائية، صعوبات كبيرة في الوصول بشكل يومي إلى المراكز الحضرية (مثل أزيلال المركز أو دمنات) حيث تتركز أغلب الفرص، مما يضطر الكثيرين منهم إلى البقاء في دائرة العطالة أو الهجرة خارج الإقليم.
إن تجاوز هذه التحديات يتطلب رؤية مندمجة تزاوج بين فك العزلة الجغرافية، وتطوير عرض تكويني "محلي" مبتكر، مع تقديم حوافز استثنائية للمقاولات للاستقرار في قلب المناطق الجبلية.
7. آفاق 2026: نحو رؤية جهوية مندمجة للتشغيل بأزيلال
لتحقيق الأهداف المسطرة في البرنامج الحكومي والوصول إلى "الخلق الكثيف" لفرص الشغل في أفق 2026 داخل إقليم أزيلال، يتطلب الأمر الانتقال إلى مرحلة جديدة من التدبير تعتمد على رؤية مندمجة تزاوج بين الاستغلال الذكي للمؤهلات المحلية والابتكار التكنولوجي. ويجب التركيز في هذا الصدد على ثلاث ركائز استراتيجية:
أولاً: تثمين الرأسمال الطبيعي واستدامة السياحة: الهدف هو تحويل إقليم أزيلال من وجهة سياحية عابرة إلى "قطب للسياحة الجبلية العالمية". إن الاستثمار في بنيات استقبال متطورة (فنادق إيكولوجية، مراكز رياضات جبلية، مدارات سياحية منظمة) من شأنه ضمان وظائف دائمة طيلة السنة، وتقليص الارتباط بالموسمية التي تضعف سوق الشغل المحلي حالياً. هذا التحول سيجعل من الجبل "مصنعاً طبيعياً" لفرص الشغل اللائقة.
ثانياً: التحول الرقمي كأداة لكسر العزلة: يمثل الرقمي فرصة ذهبية لشباب الإقليم المتعلم والموهوب في المناطق النائية. ومن خلال تشجيع العمل عن بعد (Freelance) ودعم إنشاء مساحات للعمل المشترك (Coworking Spaces) مزودة بأنترنت عالي الصبيب، يمكن للشباب في أعماق جبال أزيلال الولوج إلى سوق الشغل العالمي والمحلي دون الحاجة للتنقل المادي. إن "تصدير الخدمات الرقمية" من الجبل هو الحل الأمثل لتجاوز تحدي وعورة التضاريس وعزلة المسالك.
ثالثاً: توسيع ميثاق الاستثمار عبر "الأفضلية الترابية":
لجذب الرأسمال الخاص إلى إقليم يتسم بنقص البنيات التحتية مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى، يجب تفعيل مقتضيات ميثاق الاستثمار الجديد بمنطق "الأفضلية الترابية". يتجلى ذلك في:
ـ منح حوافز مالية وضريبية استثنائية للمستثمرين الذين يختارون الاستقرار في أزيلال.
ـ تقديم "دعم إضافي" عن كل منصب شغل قار يتم خلقه داخل الإقليم، لتعويض تكاليف اللوجستيك المرتفعة.
إن هذه الرؤية الاستشرافية كفيلة بجعل أزيلال مساهماً فعالاً في الرقم القياسي الوطني (مليون منصب شغل)، محولةً التحدي الجغرافي إلى ميزة تنافسية تضمن كرامة الساكنة واستقرارها
خلاصة ختامية: نحو "منظومة اقتصادية جبلية" مستدامة
إن "التطور الملحوظ" الذي ننشده لإقليم أزيلال لا يمكن اختزاله في أرقام عابرة أو حلول ترقيعية، بل هو مسار يمر حتماً عبر الانتقال الجذري من التشغيل الهش المرتبط بالأزمات والتقلبات المناخية، إلى التشغيل الهيكلي المستدام القائم على التثمين الذكي للمؤهلات الطبيعية والبشرية للإقليم.
إن أزيلال، بخصوصيتها المجالية الفريدة، لا تحتاج فقط إلى "مناصب شغل" بالمعنى الضيق للكلمة، بل تحتاج إلى بناء "منظومة اقتصادية جبلية" متكاملة ومندمجة. منظومة قادرة على:
ـ استثمار الوعورة الجغرافية لتحويلها إلى علامة تجارية (Brand) عالمية في السياحة والرياضات الجبلية.
ـ تحويل العزلة إلى فرصة عبر الرقمنة والابتكار الأخضر.
ـ جعل "الجبل" محركاً للثروة وموطناً للاستقرار، لا عائقاً أمام التنمية أو سبباً للنزوح.
بهذا المنطق الإرادي، ستتحول جبال أزيلال من مجرد تضاريس صعبة إلى ثروة وطنية حقيقية، تساهم بفعالية في الدينامية الاقتصادية للمملكة وفي تحقيق الالتزام الحكومي، مع ضمان كرامة المواطن الجبلي في قلبه موطنه
الواقع انها سردية حكومية متفائلة ومنسجمة، تنتقل من إبراز "الإنجاز" (حصيلة 850 ألف منصب) إلى "التوجيه الاستراتيجي" (التركيز على الشباب والنساء) وصولاً إلى "الطموح" (مليون منصب في 2026). إنه يعكس انتقالاً في الخطاب من مجرد مكافحة البطالة إلى سياسة طموحة لخلق الثروة وفرص العمل. ومع ذلك، تبقى نقطة الرصد الأساسية هي قدرة هذا "الإدماج المهني" على احتواء الفئات الأكثر هشاشة وتقليص الفوارق المجالية والجندرية بشكل ملموس.
نحن أمام انتقال من خطاب "امتصاص البطالة" (وهو خطاب دفاعي) إلى خطاب "السياسة الطموحة لخلق الثروة" (وهو خطاب هجومي إرادي). هذا التحول يهدف إلى: تعبئة الفاعل الخاص عبر إظهار الدولة كـ "ميسر" و"مستثمر" لا كـ "مشغل وحيد" بالإضافة الى ربط التشغيل بالديناميات الكبرى (كأس العالم، الهيدروجين الأخضر، الصناعة)، مما يعطي للوظيفة قيمة اعتبارية أكبر.
اننا أمام خطاب حكومي يتمتع بـ انسجام داخلي وقدرة على التسويق السياسي، لكن استدامته رهينة بالانتقال من "الدينامية الكمية" إلى "العدالة التوزيعية". الفيصل في نهاية 2026 لن يكون فقط الرقم (مليون)، بل هو مدى شعور الشاب في أزيلال أو المرأة في القرى البعيدة بأنهم كانوا جزءاً أصيلاً من هذه "الثروة"