تحليل "النمو دون تشغيل" في المغرب
بقلم رضوان المصطفى دكتور في الاقتصاد الدولي
يعكس تقرير البنك الدولي مفارقة اقتصادية حادة: المغرب يستثمر، يحدث البنى التحتية، يعصرن، لكنه لا يُشغِّل.
هذه ظاهرة معروفة باسم "النمو بدون خلق فرص العمل" ، أي نمو الناتج المحلي الإجمالي دون زيادة موازية في التوظيف.
العوامل الرئيسية وراء النمو بدون تشغيل في المغرب
1ـ استثمارات كثيفة الرأسمال
المشاريع الكبرى (موانئ، قطار فائق السرعة، محطات طاقة متجددة، طرق سيارة) تعتمد غالباً على التكنولوجيا المتطورة، مما يقلص الحاجة إلى اليد العاملة مقارنة بالقطاعات التقليدية.
2ـ عدم تطابق المهارات مع حاجات سوق العمل
البنى التحتية الحديثة تتطلب كفاءات تقنية وهندسية متخصصة، لكن منظومتي التربية والتكوين المهني لم تواكبا هذه الحاجة، مما يبقي العديد من الباحثين عن عمل – خاصة الشباب – بدون المؤهلات المطلوبة. وفي المقابل، تظل اليد العاملة قليلة المهارات وفيرة لكن غير مستغلة.
3 ـ ضعف التشابك مع التشغيل المحلي
كثيراً ما تنفذ المشاريع الكبرى بواسطة شركات أجنبية تستخدم معدات مستوردة وتقنيين أجانب. مما ينعكس سلبا على المقاولات الصغرى والمتوسطة المحلية، وكذلك على التوظيف المحلي، تبقى محدودة ما لم تُفرض بنود تعاقدية تلزم بالتشغيل المحلي.
4 ـ هيمنة قطاعات ذات إنتاجية منخفضة هيكلياً
الفلاحة والبناء والقطاع غير المهيكل لا يزالان يشغلان جزءاً كبيراً من المغاربة، لكن بأجور متدنية وظروف هشة. أما القطاعات العصرية (صناعة السيارات، الطيران، خدمات الأوفشورينغ) فتخلق فرص شغل أقل نسبياً مقارنة بالقيمة المضافة التي تحققها، لأنها تركز على التنافسية العالمية.
5 ـ جمود سوق العمل وارتفاع التكاليف
تنظيم العمل الصارم، والاشتراكات الاجتماعية المرتفعة، والأجر الأدنى الذي قد يكون مرتفعاً نسبياً مقابل الإنتاجية، كلها عوامل قد تثبط التشغيل الرسمي. عندها تفضل المقاولات الاستثمار في الآلات أو اللجوء إلى المقاولة في القطاع غير المهيكل.
النتائج :
ـ بطالة مرتفعة مستمرة (خاصة بين الشباب وحاملي الشهادات الجامعية.
ـ اتساع القطاع غير المهيكل – دفع العمال إلى أعمال غير منظمة، ضعيفة الأجر، بدون حماية اجتماعية.
• إحباط اجتماعي – التناقض الواضح بين البنى التحتية الجديدة وركود التوظيف يغذي السخط السياسي.
ـ استخدام غير فعال للاستثمارات العمومية – إذا كانت خلق فرص العمل هدفاً سياسياً، فإن النموذج الحالي يحتاج إلى إعادة ضبط.
حلول ممكنة :
ـ توجيه جزء من الاستثمار نحو قطاعات كثيفة اليد العاملة (الفلاحة الغذائية، السياحة، الصناعات الخفيفة.
ـ إصلاح التعليم والتكوين المهني لمواءمة المهارات مع الطلب المستقبلي.
ـ سياسات المحتوى المحلي تفرض على المقاولين الأجانب توظيف وتكوين العمال المحليين.
ـ دعم المقاولات الذاتية والمقاولات الصغرى والمتوسطة التي تخلق عادةً فرص شغل أكثر لكل وحدة رأسمال.
ـ سياسات نشطة لسوق العمل دعم تشغيل الشباب، تخفيض الضرائب على الأجور المنخفضة.
الخاتمة:
تجربة المغرب هي بالفعل حالة نموذجية للنمو دون تشغيل، وهي حالة تتقاسمها عدة دول ذات دخل متوسط تشهد تحديثاً سريعاً دون إدماج عبر التشغيل. وبينما تعتبر البنى التحتية ضرورية للإنتاجية على المدى البعيد، فإن استراتيجية موجهة بوعي نحو خلق فرص العمل – وليس فقط نحو نمو الناتج المحلي الإجمالي – ضرورية لتحويل الاستثمار إلى ازدهار واسع القاعدة. دون هذا التحول، سيستمر خطر عدم الاستقرار الاجتماعي وإهدار الطاقات البشري .