أزيلال زووم ـ الإدارة
بقلم : كمال عشابي
لم تعد أزمة الحياة السياسية اليوم مرتبطة فقط بضعف المشاركة أو فتور الاهتمام بالشأن العام، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بصورة المشهد السياسي نفسه كما يراه المواطن. فعندما يتابع الناس الاستحقاقات المتتالية ويكتشفون أن الوجوه ذاتها تعود في كل مرة تقريبًا، وأن الخطاب نفسه يُعاد تدويره، وأن الوعود القديمة تُقدَّم في غلاف جديد، فإن الإحساس العام لا يكون هو الأمل في التغيير، بل الشك في جدوى العملية السياسية برمتها.
إن أخطر ما في تكرار نفس الوجوه ليس فقط أنه يرهق المشهد، بل أنه يبعث برسالة سلبية مفادها أن السياسة لم تعد فضاءً لتجديد النخب وصناعة البدائل، بل مجرد دائرة مغلقة تدور داخلها الأسماء نفسها مهما تغيرت الظروف والشعارات. وعندما يترسخ هذا الانطباع، يبدأ المواطن في الاعتقاد بأن الانتخابات لا تفتح الباب أمام التغيير الحقيقي، وإنما تعيد فقط ترتيب المواقع بين أشخاص اعتادوا الظهور في كل محطة.
هنا بالضبط تنتقل الأزمة من مستوى التنافس الديمقراطي إلى مستوى الثقة العامة. فالمواطن لا يحكم فقط على البرامج، بل يحكم أيضًا على صدقية الفاعلين وعلى قدرة الأحزاب على تقديم وجوه جديدة، كفاءات جديدة، ونفس سياسي جديد. وإذا كان ما يراه في النهاية هو إعادة تسويق الأسماء نفسها، فإنه يقتنع تدريجيًا بأن الحديث عن التداول والتجديد ليس إلا لغة جميلة تخفي عجزًا حقيقيًا عن إنتاج النخب.
وتزداد هذه الأزمة عمقًا حين يقترن تكرار الوجوه بتكريس منطق الأشخاص بدل الأحزاب. فبدل أن تصبح الأحزاب مؤسسات تؤطر المواطنين، وتصنع القيادات، وتربي على الفكرة والبرنامج والانتماء، تتحول شيئًا فشيئًا إلى مجرد أوعية انتخابية تُستدعى فيها الأسماء الأكثر حضورًا، أو الأكثر نفوذًا، أو الأكثر قابلية للاستثمار الانتخابي. وفي هذه الحالة، لا يعود الحزب هو الأصل، بل يصبح الشخص هو المركز، بينما ينزاح التنظيم إلى الخلف، وتفقد الهوية الحزبية معناها التربوي والسياسي.
وحين تسود سياسات الأشخاص، تضعف سياسات الأفكار. فالنقاش لا يعود حول المشروع المجتمعي، ولا حول البدائل الاقتصادية والاجتماعية، ولا حول الرؤى الكبرى للإصلاح، بل يتحول إلى تتبع تحركات هذا الاسم أو ذاك، وإلى تقدير فرص هذا الوجه أو ذاك، وإلى حسابات مرتبطة بالشعبية الفردية أكثر مما هي مرتبطة بقوة البرنامج. وهكذا تنكمش السياسة في بعدها النبيل، وتتحول من تنافس بين تصورات إلى تنافس بين أشخاص.
إن المواطن حين يرى هذا التحول لا يشعر فقط بالملل، بل يشعر بالإقصاء الرمزي أيضًا. لأنه يفهم من خلال هذا المشهد أن صوته لا يشارك في صناعة نخب جديدة، وأن المجال السياسي ليس مفتوحًا بالقدر الكافي أمام الكفاءات الصاعدة، وأن ما يتكرر أمامه ليس دينامية ديمقراطية حية، بل إعادة إنتاج مستمرة للوجوه ذاتها. لذلك لا يكون العزوف دائمًا تعبيرًا عن اللامبالاة، بل قد يكون أحيانًا تعبيرًا عن رفض صامت لمشهد سياسي لم يعد يقنع الناس بقدرته على التجدد.
وقد عكست تقارير منشورة سنة 2026 هذا المناخ، إذ أشارت إحدى المواد إلى أن الثقة لدى الشباب المغربي في البرلمان بلغت 37%، وفي المجالس البلدية 34%، وفي الأحزاب السياسية 33%، وهي مؤشرات تعكس هشاشة الثقة في المؤسسات التمثيلية والحزبية. كما ربط تحليل آخر صورة المجال السياسي في نظر المواطنين بتمثلات سلبية تشمل ضعف النجاعة والريع والاحتيال، وهو ما يساعد على فهم كيف يتحول تكرار الوجوه إلى سبب إضافي في تعميق الشك والعزوف.
إن الحزب الذي يعجز عن التجديد لا يضعف فقط حظوظه الانتخابية، بل يضعف فكرة العمل الحزبي نفسها. لأن الحزب في جوهره ليس ناديا انتخابيا للأسماء الجاهزة، بل مدرسة للتأطير، ومسارًا للتدرج، وإطارًا لإنتاج النخب وتداول المسؤولية. فإذا لم يشعر المواطن أن الأحزاب قادرة على تقديم أشخاص جدد برؤى جديدة وأساليب مختلفة، فإنه سيفقد الثقة فيها كمؤسسات، وسينظر إليها باعتبارها مجرد منصات لتدوير الأشخاص لا لبناء السياسة.
لهذا فإن المعركة الحقيقية في الحياة السياسية ليست فقط معركة الفوز بالمقاعد، بل معركة استعادة المعنى. معنى الحزب، ومعنى التمثيل، ومعنى التداول، ومعنى أن يكون للمواطن أمل في أن صوته يمكن أن يفتح الباب أمام وجوه جديدة تحمل كفاءة ومصداقية ونَفَسًا إصلاحيًا. أما حين يستمر المشهد في تكريس الأشخاص بدل الأحزاب، فإن النتيجة لا تكون فقط ضعفًا في المشاركة، بل قتلًا بطيئًا للثقة في السياسة والمؤسسات معًا.
إن تجديد الثقة يبدأ من تجديد العرض السياسي نفسه. يبدأ حين تفهم الأحزاب أن المواطنين لم يعودوا يبحثون عن الوجوه المكررة، بل عن المصداقية، وعن نخب قريبة من الناس، وعن فاعلين يحملون همّ الإصلاح بدل مجرد البحث عن الاستمرار. وعندها فقط يمكن للحياة السياسية أن تستعيد حيويتها، ويمكن للمؤسسات المنتخبة أن تستعيد شيئًا من الهيبة والثقة التي أضعفها طولُ الاعتماد على الأسماء نفسها والرهان المستمر على منطق الأشخاص.