أزيلال زووم ـ الإدارة
بقلم : د. زينب ابوالزهور
لا تكتسب دمنات أهميتها البحثية من كونها مدينة ذات موقع جبلي ومؤهلات طبيعية وتاريخ عريق، فهذا وصف يمكن أن يقال عن عشرات المراكز الحضرية الجبلية في المغرب، بل تكتسبها من طبيعة العلاقة الملتبسة القائمة بين هذه المعطيات الطبيعية والتاريخية من جهة، وبين الفاعل السياسي والإداري الذي يفترض أن يحولها إلى دينامية تنموية فعلية من جهة أخرى، فالموقع الجبلي والموروث الأمازيغي والمؤهلات الطبيعية ليست معطيات محايدة تترجم آليا إلى تنمية، وإنما هي إمكانات تتوقف قيمتها الفعلية على نوعية الوساطة المؤسساتية القائمة بين المواطن، بوصفه جوهر العملية التنموية والمعني الأول بالاستفادة منها، وبين هذه المعطيات الطبيعية والتاريخية.
فالفاعل السياسي والإداري لا تكتمل وظيفته إلا بقدر ما يوجه هذه الوساطة لخدمة المواطن.
تنطلق هذه القراءة من إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد استطاع الفاعل الترابي، عبر السياسات الترابية، أن يحول الإكراهات والمؤهلات المرتبطة بالموقع الجبلي والامتداد التاريخي لدمنات إلى نموذج تنموي متماسك؟ وما مدى تأثير المجال الجغرافي في تحقيق تنمية شاملة؟ وإلى أي حد تعتبر الإكراهات البنيوية عائقا أمام الفاعلين في تحقيق العملية التنموية المنشودة؟ وإلى أي حد بقيت هذه السياسات مجرد تدبير إداري للأمر الواقع المجالي دون معالجة بنيوية له؟ وللإجابة عن هذا السؤال الإشكالي، يقترح هذا التحليل اعتماد ثلاثة محاور مترابطة: أولها إعادة قراءة الموقع الجغرافي والتاريخي بوصفه عاملا بنيويا مزدوج الوظيفة لا خلفية وصفية، وثانيها مساءلة المفارقة بين الغنى الطبيعي والهشاشة التنموية، وثالثها تقييم حدود التدبير الترابي في تجاوز الإكراهات المجالية القائمة.
أولا: الموقع الجغرافي والتاريخي بوصفه عاملا بنيويا مزدوج الوظيفة
يصعب فهم نشأة دمنات واستمرارها دون الانتباه إلى أن الموقع نفسه الذي أتاح لها أداء وظيفة الوساطة بين المجال الجبلي والمجال السهلي، هو ذاته الذي ينتج اليوم إكراهاتها البنيوية. فالموقع الذي جعل من دمنات نقطة التقاء اقتصادية واجتماعية بين ساكنة الجبل والسهل، هو ما يفسر أيضا محدودية اندماجها في الشبكات الحضرية الكبرى، وصعوبة الربط الطرقي بمحيطها القروي، وتشتت التجمعات السكانية داخل نفوذها الترابي. وبعبارة أخرى، فإن العامل الجغرافي لا يمكن التعامل معه بوصفه ميزة ثابتة، بل بوصفه متغيرا ينتج في آن واحد فرصا وإكراهات، وتتوقف غلبة أحدهما على الآخر على نوعية التدخل السياسي والمؤسساتي في المجال.
وينطبق التحليل نفسه على البعد التاريخي والهوياتي المرتبط بالمكون الأمازيغي. فحضور هذا المكون في تشكيل الهوية الاجتماعية لدمنات لا ينبغي تناوله بوصفه معطى ثقافيا مضافا إلى تاريخ المدينة، بل بوصفه عنصرا مفسرا لتاريخ أنماط التضامن الاجتماعي وأشكال التنظيم المجالي التي سبقت بناء الدولة الحديثة، ولا يزال يفسر جزئيا اليوم طبيعة العلاقة بين المركز الحضري ومحيطه القروي، خصوصا من حيث أنماط التمثيل السياسي المحلي والمشاركة في تدبير الشأن الترابي. فالإرث التاريخي إذن ليس عنصرا ساكنا في الذاكرة الجماعية، بل بنية مستمرة التأثير في الحاضر التنظيمي للمدينة، وهو ما يستدعي عند تحليل أي سياسة تنموية بدمنات أخذه بعين الاعتبار كمتغير فاعل لا كخلفية تاريخية.
وتكشف هذه القراءة المزدوجة للموقع والتاريخ أن الحديث عن "مؤهلات" دمنات دون ربطها بشروط تفعيلها المؤسساتي يبقى تحليلا منقوصا، إذ إن العامل نفسه قد يتحول من رافعة إلى عائق تبعا لغياب أو حضور سياسة ترابية قادرة على استيعاب هذه الازدواجية.
ثانيا: المفارقة بين الغنى الطبيعي والهشاشة التنموية
يكشف تحليل المجال الطبيعي لدمنات ونواحيها عن مفارقة جوهرية تستحق المساءلة أكثر من الوصف: فالمنطقة تتوفر على مؤهلات طبيعية مهمة، من موارد مائية وأودية ومواقع ذات قيمة سياحية وبيئية، وفي مقدمتها القنطرة الطبيعية إيمي إيفري التي تنتمي إلى جيوبارك مكون بوصفه موقعا جغرافيا عالميا، غير أن هذا الغنى النسبي لم يترجم بعد إلى نموذج تنموي مستقر ومحصن من الهشاشة. وتفسير هذه المفارقة لا يكمن في غياب مطلق لإطار مؤسساتي، فالجماعة الترابية قائمة بوصفها الإطار المؤسساتي المرجعي لتدبير المجال، (كما يتضح من خلال نموذج موقع أفوزار السياحي الذي تستخلص الجماعة مداخيله)، وإنما يكمن في غياب تنسيق واضح بين هذا الإطار المؤسساتي والفاعلين الآخرين لضبط أوجه الاستغلال المتعددة والمتنافسة أحيانا: السياحة، والفلاحة، والحفاظ البيئي.
فحين تترك هذه المجالات الطبيعية دون سياسة تحكيمية تحدد أولويات الاستغلال وتضبط التوازن بين الانفتاح السياحي والحماية البيئية، فإن النتيجة المرجحة ليست الاستثمار الأمثل للمورد، بل أحد سيناريوهين متضادين في ظاهرهما ومتكاملين في جوهرهما: إما استغلال غير منظم يستنزف القيمة البيئية للموقع على المدى المتوسط، أو تعطيل فعلي لإمكاناته التنموية بسبب غياب تأهيل للمجال بشكل فعال يوازن بين الحماية والانتفاع. وكلا السيناريوهين يفضي إلى النتيجة نفسها، أي بقاء المورد الطبيعي إمكانا معطلا لا رافعة تنموية فعلية، في حين أن المطلوب هو اعتباره رافعة تنموية فعلية مع ضمان الحفاظ على الموقع من خلال استغلاله بشكل عقلاني يضمن استمراريته.
ومن هنا يتضح أن الحديث عن "ضرورة اعتماد سياسة عقلانية لحماية الموارد" لا يكفي بوصفه خلاصة عامة، بل يستدعي تحديدا أدق لطبيعة الفاعل المخول له ضبط المجال، والمتمثل أساسا في الجماعات الترابية، ولحدود صلاحياتها إزاء فاعلين آخرين يتقاسمون معها السلطة على المجال ذاته، وهو ما يسائل مباشرة فعالية التدبير الترابي نفسه.
ثالثا: حدود التدبير الترابي في تجاوز الإكراهات المجالية
يندرج التدبير المحلي لدمنات ضمن منظومة ترابية متعددة المستويات، تتقاسم فيها الجماعة الترابية والإقليم والجهة والدولة اختصاصات متداخلة. وإذا كان هذا التوزيع يبرر عادة بمنطق التكامل بين المستويات الترابية، فإن تحليله النقدي يكشف عن مخاطر أكثر التباسا: فتعدد الفاعلين المتدخلين في مجال محدود كدمنات قد يفضي، في غياب آليات تنسيق فعلية وواضحة المسؤولية، إلى تشتت القرار التنموي بدل تكامله، وإلى تعويم المساءلة بين مستويات متعددة بدل تركيزها، بحيث يصعب على الفاعلين المحليين أنفسهم، فضلا عن الساكنة، تحديد الجهة المسؤولة فعليا عن معالجة إكراه بعينه، كضعف الربط الطرقي بالمناطق القروية المجاورة أو غياب استثمار منظم في الموقع السياحي. كما أن عدم التزام بعض الأطراف المتدخلة بتعهداتها في مشاريع بعينها يفرض هو الآخر آليات واضحة للمساءلة والمحاسبة.
وتزداد حدة هذه الإشكالية حين يقاس أداء التدبير الترابي بمنطق "تقديم الخدمات" وحده، أي بوصف المدينة مركزا إداريا وتعليميا وصحيا وتجاريا لمحيطها القروي، دون مساءلة ما إذا كانت هذه الوظيفة الخدماتية قد ترافقت فعليا بتقليص الفوارق المجالية بين المركز الحضري والقرى التابعة له، أم أنها اقتصرت على إعادة إنتاج التمركز الحضري التقليدي دون معالجة جوهرية لمنطق التهميش المجالي الذي عانت منه المناطق الجبلية تاريخيا. فالمشاركة المحلية والتشاور والتعاقد، رغم أهميتها المعلنة في الخطاب المؤسساتي الحديث، تظل من الأدوات الشكلية ما لم تترجم إلى قدرة فعلية للفاعلين المحليين على التأثير في تحديد الأولويات وتخصيص الموارد، وهو ما يستدعي تقييما دقيقا لمدى هذه القدرة بدل افتراضها.
يفضي هذا التحليل إلى استنتاج مركزي مفاده أن العوامل الطبيعية والتاريخية لدمنات ليست محددا حتميا لمسارها التنموي، وإنما هي إمكانات مزدوجة الدلالة، تتوقف قيمتها الفعلية على نوعية الوساطة المؤسساتية التي تحكم تفعيلها. فالموقع الجبلي يمكن أن يكون رافعة للوساطة الاقتصادية أو مصدرا للعزلة، والموروث التاريخي الأمازيغي يمكن أن يكون أساسا لهوية محلية فاعلة في التدبير الترابي أو مرجعية رمزية بلا أثر تنظيمي، والمؤهلات الطبيعية يمكن أن تتحول إلى مورد اقتصادي مستدام أو تبقى عاملا معطلا بفعل غياب التحكيم المؤسساتي.
تأسيسا على ما سبق، فإن مستقبل دمنات لا يرتبط بمدى توفرها على مؤهلات طبيعية وتاريخية، فهذا أمر ثابت لا نقاش فيه، بل يتعلق بالسؤال الجوهري الـموجه لصناع القرار والفاعلين المحليين: هل بمقدور الجماعات الترابية والمؤسسات المعنية إرساء آليات تنسيقية وتحكيمية ناجعة، وفي إطار زمني محدد، قادرة على تحويل هذه المؤهلات إلى قوة تنموية حقيقية تخدم المواطن؟ أم سيستمر الاكتفاء بتدبير إداري نمطي يعيد إنتاج الأزمات المجالية بدل معالجتها؟"