أزيلال زووم ـ الإدارة
بقلم : الدكتور رضوان المصطفى
قي كل مرة ترتفع فيها أسعار اللحوم الحمراء، يعود ملف استيراد المواشي إلى الواجهة باعتباره أحد أبرز الحلول التي تراهن عليها الحكومة لتهدئة الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. غير أن هذا الخيار، الذي يبدو في ظاهره استجابةً لظروف استثنائية فرضها الجفاف وتراجع القطيع الوطني، يثير في المقابل تساؤلات عميقة حول مدى فعاليته، وحول المستفيد الحقيقي من الامتيازات المالية والضريبية التي ترصدها الدولة لهذا الغرض.فإذا كان الهدف المعلن هو توفير اللحوم بأسعار معقولة، فإن الواقع يكشف أن هذه السياسة لا تحقق دائماً النتائج المنتظرة، بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى مصدر لامتيازات اقتصادية يستفيد منها عدد محدود من الفاعلين، بينما يظل المستهلك الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الوسطاء والمضاربين.
1. الريع الحكومي: دعم مشروط أم بوابة للاحتكار؟
اضطرت الحكومة، خلال السنوات الأخيرة، إلى فتح باب استيراد المواشي بعد تراجع الإنتاج المحلي بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف. ولتشجيع هذه العملية، أقرت إعفاءات من الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية، إلى جانب دعم مالي مباشر للمستوردين.من الناحية النظرية، تهدف هذه الإجراءات إلى خفض تكلفة الاستيراد، وبالتالي تقليص سعر البيع النهائي للمواطن. غير أن نجاح هذا الرهان يظل رهيناً بوجود آليات رقابة فعالة تضمن انتقال أثر الدعم إلى المستهلك، وهو ما يطرح علامات استفهام في ظل غياب تتبع دقيق لهوامش الربح.
وهنا يبرز مفهوم الريع الاقتصادي، ليس بمعنى تحقيق الأرباح المشروعة، وإنما باعتباره استفادة من امتيازات تمنحها الدولة دون أن يقابلها التزام واضح بخفض الأسعار أو تحسين تنافسية السوق.
يطرح مفهوم "الريع" نفسه بقوة عند تحليل الفئة المستفيدة من هذا الدعم.
ـ احتكار القلة: يتطلب استيراد المواشي لوجستيكيات ضخمة (سفن شحن، محاجر بيطرية، سيولة مالية كبيرة). هذا يعني أن الدعم المالي والضريبي يتركز في يد فئة محدودة من كبار المستوردين والشركات الكبرى القادرة على تلبية هذه الشروط، مما يقصي الفلاحين الصغار والمتوسطين.
ـ غياب التتبع: تكمن الإشكالية في ضعف آليات تتبع الأثر المباشر لهذا الدعم على السعر النهائي. في غياب تسقيف صارم للأسعار أو رقابة دقيقة على هوامش الربح، يتحول الدعم الحكومي إلى "منحة إضافية" ترفع من أرباح المستوردين الكبار بدلاً من تخفيف العبء عن المواطن.
2. المضاربة الخاصة: هندسة تضخم الأسعار ولعبة «الندرة المصطنعة
حتى بعد وصول المواشي المستوردة إلى المغرب، لا تنتهي رحلة ارتفاع الأسعار.فالسوق يمر عبر سلسلة طويلة من الوسطاء، حيث يضيف كل طرف هامش ربحه، لترتفع الأسعار تدريجياً قبل وصولها إلى المستهلك النهائي.وتزداد الإشكالية تعقيداً عندما يلجأ بعض الفاعلين إلى تخزين المواشي قبل فترات الذروة، مثل شهر رمضان أو المناسبات الدينية، بما يخلق ندرة مصطنعة تسمح برفع الأسعار بعيداً عن منطق العرض والطلب الحقيقي.كما أن ضعف شفافية الأسواق التقليدية يجعل من السهل على المضاربين التأثير في الأسعار، خاصة في ظل غياب مؤشرات مرجعية يومية يمكن للمستهلك أو المربي الاعتماد عليها.
بمجرد وصول المواشي المستوردة إلى الأسواق الوطنية، تدخل في دوامة معقدة من المضاربة.
ـ تعدد الوسطاء: لا تنتقل الماشية من المستورد إلى الجزار مباشرة. تتدخل سلسلة من الوسطاء (الشناقة)، حيث يضيف كل وسيط هامش ربح خاص به، مما يضاعف السعر عدة مرات قبل وصوله للمستهلك.
ـ التخزين الاستراتيجي (الاحتكار): يعمد بعض كبار الفاعلين إلى تخزين المواشي في ضيعاتهم (خاصة قبل المواسم الكبرى كعيد الأضحى) لتعطيش السوق وافتعال ندرة مصطنعة، مما يبرر رفع الأسعار بشكل غير منطقي.
ـ استغلال غياب الشفافية: تعتمد الأسواق الأسبوعية على آليات تسعير تقليدية تفتقر إلى الشفافية، مما يسهل على شبكات المضاربين التحكم في مسار الأسعار بعيداً عن منطق العرض والطلب الحقيقي.
3. ما بين القرار والتنفيذ ثغرة كبيرة حيت الخلل في السياسات أكثر منه في السوق
لا يمكن إلقاء اللوم على القطاع الخاص وحده، فالقطاع الخاص يستجيب لحوافز السوق. الخلل الحقيقي يكمن في تصميم السياسات الحكومية التي تخلق "ريعاً" سهلاً دون ربط الدعم بآليات رقابية صارمة على التسعير النهائي والجودة.
الحل ليس في رفع يد الدولة، بل في كسر الاحتكار وربط الدعم بالمستهلك مباشرة (عبر بطاقات تموينية ذكية لشراء اللحوم) بدلاً من منحه للمستورد على بوابة الجمارك. إلى أن يحدث ذلك، ستبقى أسواق المواشي أسيرة لعبة القط والفأر بين "ريع" الدولة و"طمع" المضاربين، والفاتورة يدفعها المواطن من جيبه وقوته اليومي.
سياسة استيراد المواشي، بصيغتها الحالية، تبدو وكأنها تعالج الأعراض بدلاً من المرض. طالما استمر الدعم دون دفتر تحملات صارم يلزم المستوردين بأسعار بيع محددة، وطالما بقيت أسواق الجملة والتقسيط مرتعاً للمضاربين وغياب الرقابة،
فإن ميزانية الدولة ستستمر في تمويل ريعٍ تستفيد منه الأقلية، في حين يتحمل المستهلك المغربي فاتورة التضخم المصطنع.
4. بدائل السياسات الاقتصادية والمالية وكيف يمكن تصحيح المسار؟
بدلاً من تقديم إعفاءات ضريبية ودعم مالي مفتوح لكبار المستوردين، يجب توجيه التدخل الحكومي نحو جذور المشكلة:
ـ تطوير آليات التأمين ضد المخاطر الفلاحية: بدلاً من الاعتماد الكلي على الاستيراد كآلية لامتصاص صدمات الجفاف، يجب تصميم منتجات تأمين مناخي ومالي مبتكرة تحمي الفلاحين والكسابة الصغار من تقلبات تكاليف الإنتاج، مما يضمن الحفاظ على القطيع الوطني.
ـ الدعم الموجه للمدخلات عوض المخرجات: توجيه الغلاف المالي المخصص لدعم الاستيراد نحو دعم الأعلاف المركبة، والأدوية البيطرية، وتوفير نقاط المياه للكسابة المحليين. هذا يحمي القدرة الشرائية للمربي الصغير ويقلل من تكلفة الإنتاج المحلية.
ـ إرساء دفاتر تحملات بتسقيف الأسعار: في حالات الضرورة القصوى التي تتطلب الاستيراد، يجب ربط أي إعفاء جمركي أو ضريبي (TVA) بالتزام قانوني صارم يحدد هامش الربح الأقصى وسعر البيع النهائي للمستهلك، مع فرض عقوبات مالية على المخالفين.
ـ إعادة هيكلة اللوجستيك وسلاسل التوريد
الخلل الأكبر يكمن في المسار الذي تسلكه الماشية من الضيعة (أو الميناء) إلى المجزرة. لتقليص الوسطاء "الشناقة"، يجب إحداث ثورة في اللوجستيك الفلاحي:
إحداث أقطاب لوجستية جهوية: تعويض الأسواق الأسبوعية العشوائية بمنصات جهوية عصرية لتجارة المواشي (على غرار الأقطاب الفلاحية التي يتم تطويرها في مناطق استراتيجية كجهة سوس ماسة للتصدير). هذه المنصات يجب أن تتوفر على محاجر صحية، مجازر معتمدة، وموازين دقيقة لتسعير الماشية بالكيلوغرام الحي، وليس بـ "المساومة" العشوائية.
التجميع التعاوني للكسابة: تشجيع صغار المربين على الانتظام في تعاونيات فلاحية قوية قادرة على تجميع العرض، التفاوض الجماعي، والبيع المباشر للمجازر الكبرى أو الأسواق العصرية، مما يقصي الوسطاء الصغار الذين يشتتون القيمة
ـ الرقمنة وشفافية الأسواق
تأسيس بورصة رقمية للسلع الفلاحية: إنشاء منصة إلكترونية وطنية تعرض حجم العرض المتوفر من المواشي، سواء المحلية أو المستوردة، والأسعار المرجعية اليومية. هذه الشفافية تمنع كبار الفاعلين من افتعال "ندرة مصطنعة" وتسمح بتتبع مسار القطيع من الترقيم البيطري إلى نقطة البيع.
إن تفكيك اقتصاد الريع في قطاع اللحوم لا يحتاج إلى حلول ترقيعية، بل يتطلب قراراً اقتصادياً بإرساء لوجستيك متطور، حكامة ضريبية صارمة، ونظام قوي لإدارة المخاطر يحمي المنتِج والمستهلك على حد سواء .
إن إصلاح المنظومة يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين دعم الإنتاج الوطني، وتعزيز المنافسة، ومحاربة الاحتكار، وإرساء حكامة اقتصادية تجعل حماية المستهلك هدفاً فعلياً، لا مجرد عنوان للسياسات العمومية.
ويبقى السؤال الذي يشغل كل أسرة مغربية: إذا كانت الدولة دعمت الاستيراد والانتاج بالمليارات... فلماذا ليست اللحوم في متناول الكثير من المواطنين؟