أزيلال زووم ـ الإدارة
بقلم : الدكتور رضوان المصطفى
في كل موسم انتخابي، تمتلئ الساحات بالشعارات، وتزدحم المنصات بالخطابات، وتتسابق الأحزاب في رسم صور لمستقبل أكثر إشراقًا. تُرفع سقوف الوعود، وتُصاغ الكلمات بعناية، وتُقدَّم البرامج وكأنها مفاتيح سحرية لحل كل الإشكالات. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه مع كل استحقاق انتخابي ليس: من يعد أكثر؟ بل من يملك القدرة على الوفاء بما يعد؟
مع كل استحقاق انتخابي، يتكرر المشهد ذاته. تتوالى البرامج الانتخابية، وتتزايد الوعود، وتتعالى الشعارات، ويؤكد كل حزب أنه يمتلك الحلول الكفيلة بمعالجة مختلف التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد. غير أن ما إن تُغلق صناديق الاقتراع حتى يشعر كثير من المواطنين بأن تلك الالتزامات تتراجع أمام صعوبات الممارسة السياسية ومتطلبات تدبير الشأن العام.
لقد أفرز هذا الواقع حالة من تزايد الشك لدى فئات واسعة من المواطنين، ليس رفضاً للممارسة الديمقراطية، بل تعبيراً عن رغبة متنامية في رؤية مسؤولية سياسية أكثر وضوحاً وشفافية. فالمغاربة اليوم لا يطالبون فقط بوعود انتخابية، بل ينتظرون برامج واقعية، مدعومة بأهداف قابلة للقياس، وجدول زمني واضح، وآليات تضمن تتبع التنفيذ وتقييم النتائج.إن التحديات التي يواجهها المغرب معروفة للجميع: خلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم العمومي، والارتقاء بالمنظومة الصحية، وضمان الأمن المائي، وتقليص الفوارق المجالية، وتشجيع الاستثمار، ومواكبة التحولات الاقتصادية العالمية. غير أن معالجة هذه القضايا لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما تتطلب سياسات عمومية دقيقة، وإصلاحات مدروسة، ورؤية استراتيجية قابلة للتنفيذ.
فالبرنامج الانتخابي الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد قائمة من الأمنيات، بل وثيقة توضح بوضوح مصادر التمويل، وآليات التنفيذ، ومراحل الإنجاز، و المؤشرات التي سيتم اعتمادها لقياس مدى تحقيق الأهداف. فغياب هذه العناصر يجعل من الصعب على المواطن تقييم مدى واقعية الالتزامات المطروحة.وفي المقابل، يتحمل المواطن بدوره مسؤولية أساسية في إنجاح المسار الديمقراطي. فالتصويت لا يعني فقط اختيار حزب أو مرشح، بل يقتضي أيضاً قراءة البرامج بعين نقدية، ومقارنة المقترحات، وتقييم حصيلة التجارب السابقة عندما تكون متاحة، وطرح الأسئلة حول جدوى الحلول المقترحة وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع. فكلما كان الناخب أكثر وعياً، أصبحت الديمقراطية أكثر قوة ومصداقية.
إن مستقبل المغرب لا يتوقف على حجم الوعود التي تُطلق خلالها الحملات الانتخابية، بل على قدرة المؤسسات، والمنتخبين، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، والمواطنين، على العمل المشترك بروح المسؤولية، والشفافية، وخدمة المصلحة العامة. فالانتخابات ليست نهاية المسار الديمقراطي، وإنما بدايته، إذ يبقى التقييم المستمر للأداء والمساءلة عن النتائج شرطين أساسيين لترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.قد أصبح الناخب المغربي أكثر وعيًا، وأكثر اطلاعًا، وأكثر قدرة على طرح الأسئلة الصعبة. فهو لا يبحث فقط عن خطاب يلامس تطلعاته، بل عن برنامج يجيب بوضوح: كيف ستُموَّل المقترحات؟ وما الأولويات؟ وما الجدول الزمني؟ وكيف سيُقاس النجاح أو الإخفاق؟ فهذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، بل جوهر أي ممارسة ديمقراطية مسؤولة.
ويمتلك المغرب مؤهلات كبيرة وطموحات تنموية واعدة، غير أن تحقيقها يقتضي أن تتحول الحملات الانتخابية إلى فضاءات للنقاش الجاد حول الأولويات، والحلول الواقعية، وسبل التنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الوعود والشعارات. فالديمقراطية الحقيقية تُبنى عندما يختار المواطن على أساس البرامج القابلة للتحقيق، ويقبل المسؤول السياسي بأن يُحاسب على ما أنجزه لا على ما وعد به.
إن الرهان الحقيقي في أي استحقاق انتخابي ليس معرفة أي حزب يقدم أكبر عدد من الوعود، بل أي مشروع سياسي يقدم رؤية أكثر واقعية، وأكثر قابلية للتنفيذ، وأكثر قدرة على خدمة المصلحة العامة. فبهذا وحده يمكن تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته، وترسيخ ديمقراطية تقوم على الإنجاز والمساءلة، لا على الخطاب والوعود.فالانتخابات ليست احتفالًا عابرًا، بل امتحان دائم لنضج الحياة السياسية، واختبار لوعي المجتمع، وفرصة لتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات على أساس الصدق والكفاءة والإنجاز.