أزيلال زووم ـ الإدارة
بقلم : الدكتور رضوان المصطفى
تعيد موجة الحر التي تجتاح المملكة هذه الأيام إلى الواجهة ملفاً صحياً موسمياً يلازم فصل الصيف في المناطق القروية والجبلية بإقليم أزيلال: لسعات العقارب ولدغات الأفاعي.
فالحرارة المرتفعة لا تقتصر مخاطرها على الإجهاد الحراري، بل تدفع أيضاً هذه الزواحف والحشرات السامة إلى مغادرة جحورها بحثاً عن الرطوبة أو الظل أو الطعام، ما يزيد من احتمال تسللها إلى المساكن والمناطق المأهولة، خصوصاً في الدواوير القريبة من الحقول والمرتفعات الصخرية حيث تشهد المستشفيات والمراكز الصحية توافد عشرات المصابين بلدغات العقارب ولسعات الأفاعي السامة، في مشهد يتكرر سنوياً ويرتبط بشكل وثيق بسلوك هذه الكائنات أثناء موجات الحر.
ويُعد إقليم أزيلال، بجباله الشاهقة وأوديته العميقة الممتدة على مساحات شاسعة من الأطلس الكبير، بيئة طبيعية خصبة لتكاثر الزواحف والعقارب، وعلى رأسها العقرب الأسود "الأندروكتونوس" والأفعى المقرنة " سيراستيس"، وهما النوعان المسؤولان عن معظم حالات التسمم الخطيرة المسجلة بالمنطقة. ومع ارتفاع حرارة الأرض وجفاف الغطاء النباتي، تخرج هذه الكائنات من جحورها بحثاً عن الرطوبة والغذاء، وغالباً ما تجد طريقها إلى المنازل والحظائر والأماكن التي يلجأ إليها السكان هرباً من القيظ.
تسجل المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بأزيلال معدلاً سنوياً يقارب 944 حالة لسعة عقرب، مقابل نحو 5 حالات لدغة أفعى، بحسب معطياتها الرسمية. وفي مؤشر على الوتيرة التي قد تبلغها الحالات خلال ذروة الصيف، سبق أن أعلنت المندوبية عن تسجيل 89 حالة لسعة عقرب و3 حالات لدغة أفعى خلال عشرة أيام فقط من فصل صيف سابق، أغلبها في المناطق القروية والجبلية بالإقليم. وتوزعت تلك الحالات بين المركزين الاستشفائيين بدمنات وأزيلال (30 حالة)، والمراكز الصحية القروية بآيت عتاب (114 حالة) وتنانت (11 حالة)، إضافة إلى آيت محمد وبزو وأفورار، وهي جماعات تقع في قلب الأطلس الكبير حيث تنتشر التضاريس الصخرية والمساكن القريبة من المراع
ووفق أرقام رسمية استقبلت المرافق الصحية بإقليم أزيلال خلال صيف العام الماضي حالات لدغ عقرب، توزعت بين إصابات طفيفة ومتوسطة وخطيرة، تطلبت عشرات الحالات حقنها بالمصل المضاد للسم، فيما سُجلت وفيات في صفوف أطفال وكبار في السن نتيجة تأخر الوصول إلى العلاج.
أما لذغات الأفاعي، فرغم أن أعدادها المبلغ عنه أقل بكثير، فإنها غالباً ما تكون أشد خطورة، إذ تسببت السنة الماضية في بتر أحد الأطراف لأحد الرعاة بسبب نخر الأنسجة، إضافة إلى حالتي وفاة نتيجة نزيف داخلي حاد.
وفي هذا السياق، سجل المستشفى الإقليمي بأزيلال خلال شهر يونيو الماضي من هذه السنة 34 حالة لسعات عقارب وحالتي عضة أفعى، مقابل 45 حالة لسعات عقارب خلال شهر ماي الماضي، ليصل مجموع الحالات المسجلة خلال الشهرين إلى 81 حالة، دون تسجيل أي حالة وفاة.
"لدغة العقرب قد تقتل في أقل من ساعتين إذا لم يتم التدخل"، المشكلة الكبرى هي صعوبة المسالك الجبلية وبُعد الدواوير عن المراكز الصحية. كثيراً ما تصل إلينا حالات بعد فوات الأوان، حيث يكون السم قد انتشر في الجسم وبدأت أعراض التعرق الشديد، القيء، صعوبة التنفس، واضطراب ضربات القلب. في هذه الحالة يصبح إنقاذ المصاب سباقاً مع الزمن".
ولمواجهة هذا التحدي الصحي، أطلقت المندوبية الإقليمية للصحة والحماية الاجتماعية بأزيلال، مع بداية شهر يونيو، خطة استباقية شملت تعزيز مخزون الأمصال المضادة للسموم بالمراكز الصحية القروية، وتنظيم قوافل طبية تحسيسية تجوب الأسواق الأسبوعية والتجمعات السكنية النائية كما تواصل المراكز الصحية بكل من إسران بدمنات، وبين الويدان، ايت اعتاب إمينيفري وآيت بولي إحودجين بالدائرة الصحية تيديلي وآيت ويسحان بسيدي يعقوب تنظيم حملات تحسيسية لفائدة الساكنة، بهدف التوعية بمخاطر لسعات العقارب ولدغات الأفاعي وسبل الوقاية منها، . كما تم توزيع حقائب إسعافات أولية" على الجماعات القروية، تتضمن تعليمات واضحة حول الإجراءات الصحيحة الواجب اتباعها فور التعرض للدغة.
وتشدد حملة التوعية المصاحبة، التي تحمل شعار "صيف بلا سموم"، على مجموعة من التدابير الوقائية الأساسية، أبرزها: تجنب المشي حفاة القدمين أو ارتداء نعال مفتوحة في المناطق المعشبة والصخرية، ضرورة نفض الأحذية والملابس وأغطية الفراش قبل الاستعمال، إغلاق الشقوق والتصدعات في جدران المنازل الطينية، وعدم إدخال الأيدي في الحفر وتحت الحجارة دون حماية. كما يتم حث المواطنين على استخدام الوسائل التقليدية الآمنة كتربية القطط والطيور الداجنة التي تتغذى على العقارب، والحرص على إضاءة محيط المنازل ليلاً.
أما في حالة الإصابة، فيؤكد الأطباء على قاعدة ذهبية: "الهدوء فوراً، والتوجه إلى أقرب مرفق صحي دون تأخير". ويُمنع منعاً باتاً استعمال الطرق التقليدية الخطيرة التي لا تزال شائعة لدى البعض، مثل ربط الطرف المصاب برباط ضاغط، أو تشريط موضع اللدغة، أو مص السم بالفم، أو وضع مواد كيماوية وأعشاب، فهذه الممارسات تزيد من تفاقم المضاعفات ولا تمنع انتشار السم.
ويبقى الرهان الأكبر في إقليم جبلي شاسع كأزيلال هو تعزيز البنية التحتية للنقل والإسعاف في المسالك الوعرة، وتفعيل دور "المُسعفين القرويين" كحلقة وصل أولى قادرة على تقديم الاستجابة الفورية لحين وصول المصاب إلى المستشفى، وهو ما تدعو إليه فعاليات جمعوية محلية في انتظار أن تخف وطأة الحرارة معلنة انتهاء موسم الخطر.