أزيلال زووم ـ الإدارة
بقلم : الدكتور رضوان المصطفى
يشكّل الدوار المغربي فضاءً مركّبًا تتقاطع فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. بين الأمل في التنمية والاندماج، والألم الناتج عن التهميش والبطالة والهجرة، تتجلى الحياة اليومية كمرآة لتناقضات المغرب العميق.
حين نتحدث عن "الدوار" في المغرب، فنحن لا نتحدث عن مجرد نقطة على الخارطة، أو بضعة بيوت من طين وإسمنت متناثرة بين الجبال والسهول. الدوار هو حكاية إنسانية حية، هو رائحة الخبز في "اينور" (الفرن التقليدي)، وصوت آذان الفجر او صياح الديك الذي يوقظ الصغار والكبار، وجلسات المسجد حيث تُحل مشاكل القبيلة بحكمة كبار السن. لكن هذا الفضاء الدافئ يعيش اليوم مخاضاً عسيراً تحت وطأة رياح التحديث والتنمية. نحاول تحليل الانا والأجيال والانفتاح تم النوع بالدوار المغربي.
1. من "الجماعة المتضامنة" إلى النزعة الفردانية
قديماً، كان الدوار يعيش كجسد واحد من خلال "الجماعة". إذا مرض شخص هبّ الجميع لمساعدته، وإذا حان وقت الحصاد انخرط الكل في "التويزة" (العمل الجماعي التطوعي). كان "العرف" وكلمة كبار السن أقوى من أي قانون مكتوب.
اليوم، دخلت "الماديات" وسطرت الحدود. مع دخول الآليات الحديثة وتحفيظ الأراضي، تحول التفكير من "نحن" إلى "أنا". أصبح لكل عائلة حساباتها الخاصة، وقلّت "التويزة" ليحل محلها العمل المأجور. هذا التحول، رغم أنه يمنح الفرد استقلالية أكبر، إلا أنه ترك جرحاً في روح التضامن الإنساني القديم.
2. جمعيات الشباب وأعيان الدوار: صراع الأجيال
مع دخول برامج التنمية ومشاريع فك العزلة، ظهر فاعل جديد في الدوار: الشاب المتعلم الذي أسس جمعية والوعي بأهمية المجتمع المدني في التنمية حيت كان في الماضي، "الشيخ" أو "المقدم" أو "كبير الجماعة" هو الآمر والناهي. بينما اليوم، نجد شاباً في العشرينيات يتفاوض مع العمالة أو مع منظمات دولية لجلب الماء الصالح للشرب أو لتمهيد طريق.هذا الانتقال لم يمر دائماً بسلام؛ فهو يحمل في طياته صراعاً صامتاً بين جيل يرى في السن والحكمة أساس الشرعية، وجيل يرى في الشواهد والانفتاح على العالم الخارجي وسيلة لإنقاذ الدوار من النسيان.
3. بيوت الإسمنت وشاشات الهواتف: الدوار المفتوح على العالم
لم يعد الدوار معزولاً خلف الجبال. اليوم، بفضل أموال المهاجرين (سواء الذين يشتغلون في جني الطماطم في سوس، أو الذين عبروا إلى الضفة الأخرى)، تغير شكل الدوار إنسانياً ومجالياً:
ـ العمران: تعوضت البيوت الطينية الدافئة بأخرى إسمنتية باردة لكنها "حديثة"، وأصبحت السيارة الواقفة أمام البيت رمزاً جديداً للوجاهة البديلة عن عدد رؤوس الماشية.
ـ الهاتف الذكي: هذا الجهاز الصغير غير كل شيء. الشاب في أقصى دشر جبال الأطلس لم يعد يرى العالم من خلال حدود قريته، بل أصبح يتابع "تيك توك" ويقارن حياته بحياة شباب الدار البيضاء أو باريس. هذا الانفتاح خلق "قلقاً وجودياً" لدى الشباب؛ فالدوار لم يعد كافياً لاحتضان أحلامهم، مما جعل الهجرة هماً يومياً يعيشونه حتى قبل أن يغادروا.
4. نساء الدوار: من "حطب التدفئة" إلى قيادة التغيير
إذا كان هناك بطل حقيقي في قصة الدوار المغربي، فهو المرأة القروية. لعقود طويلة، ارتبطت صورتها بالصبر اللامحدود: تستيقظ قبل الفجر، تقطع الكيلومترات لجلب الماء، وتحمل حزم الحطب الثقيلة على ظهرها، دون أن يكون لها صوت في اتخاذ القرار.
اليوم، المشهد يتغير ببطء ولكن بعمق: من خلال التعاونيات المحلية (لإنتاج الأركان، الزيتون)، خرجت المرأة من عتمة البيوت إلى ضوء الاقتصاد. عندما تصبح المرأة هي من تجلب الدخل للبيت، تتغير نظرة الرجل والمجتمع إليها. لم تعد مجرد يد عاملة مجانية، بل أصبحت شريكاً في القرار، وبفضلها بدأت الفتيات الصغيرات يذهبن إلى المدارس الإعدادية في المراكز القروية، مسلحات بأمل جديد.
خلاصة :
الدوار المغربي اليوم ليس مجرد موضوع للدراسة، بل هو كائن حي يتألم ويتكيف. إنه يقاوم ليحافظ على دفئه الإنساني وتضامنه الفطري، وفي نفس الوقت يفتح ذراعيه مجبراً أو مختاراً للحداثة. التنمية الحقيقية ليست هي التي تحول الدوار إلى نسخة مشوهة من المدينة، بل هي التي تمنحه الماء والطريق والكرامة، مع الحفاظ على روحه الإنسانية التي جعلته دائماً صامداً في وجه الزمن.
الحياة اليومية بالدوار المغربي ليست مجرد روتين اجتماعي، بل هي فضاء للتفاوض بين الأمل والألم، بين الانتماء والاغتراب، وبين الحلم بالتنمية والواقع القاسي. إنها قصة مجتمع يصنع الأمل من رحم المعاناة.