انت الآن تتصفح قسم : اقتصاد مال وأعمال

المحروقات في المغرب... بين متغيرات السوق العالمية ورهانات العدالة الاجتماعية ( د.المصطفى رضوان)

  أزيلال زووم ـ الإدارة 
  بقلم :  الدكتور رضوان المصطفى
يظل ملف أسعار المحروقات في المغرب من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل، حيث يتقاطع فيه راهن المعيش اليومي للمواطنين مع خيارات السياسات العمومية، وتتداخل فيه حسابات التنافسية الاقتصادية مع مطالب الحماية الاجتماعية. وبين دعوات لتدخل الدولة وضبط الأسعار، وتمسك بمنطق السوق الحرة، يبقى هذا الملف اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات على التوفيق بين المصالح المتضاربة.
1. سوق حرة تحت وطأة التقلبات الدولية
منذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، أصبحت السوق المحلية ترتبط بشكل شبه يومي بتطورات الأسواق العالمية، سواء من حيث سعر النفط الخام أو تكاليف التكرير والنقل والتأمين. وتذكّر الحكومة باستمرار أن المغرب يستورد أكثر من 90% من حاجياته الطاقية، مما يجعله رهيناً لتقلبات جيوسياسية وسلعية لا يد له فيها، كالحرب في أوكرانيا أو التوترات في الشرق الأوسط، والتي تنعكس بشكل مباشر على فاتورة الطاقة.
2. انتقادات داخلية حول شفافية السوق
غير أن المعارضة والفاعلين الاقتصاديين والجمعيات الحقوقية ترى أن التفسير الخارجي لا يغطي كل شيء. فهناك، وفقهم، خلل في آلية انتقال الأسعار، إذ تنتقل الزيادات العالمية بسرعة، بينما تتباطأ الانخفاضات أو تختفي. ويطالب هؤلاء بنشر معطيات دقيقة حول مكونات السعر النهائي، وهوامش الربح، وكلفة التوزيع، خاصة أن مجلس المنافسة سبق أن وقّع غرامات على شركات توزيع المحروقات سنة 2023، مما يعكس وجود ممارسات تحتاج إلى رقابة أكثر صرامة.
3. تداخل السياسي والاقتصادي... إشكالية مطروحة
من بين النقاط الأكثر حساسية في هذا الملف، هو الجدل المرتبط بتضارب المصالح، وخصوصاً في ظل وجود رئيس الحكومة كأحد الفاعلين الرئيسيين في قطاع المحروقات. بعض الأصوات السياسية والمدنية ترى أن هذا الوضع يستدعي ضمانات واضحة تتعلق بالنزاهة والحكامة، فيما تؤكد الأغلبية الحكومية أن القرارات تُتخذ وفق القوانين المؤسساتية، وأن تقييم الأداء يجب أن يستند إلى النتائج، وليس إلى الانتماءات المهنية أو الاستثمارية للمسؤولين.
4. تسقيف الأسعار... حلٌ شعبي وإشكالات عملية
تقدّمت المعارضة والنقابات بمقترحات تدعو إلى تحديد سقف لأسعار المحروقات أو لهامش الربح، لحماية القدرة الشرائية، خاصة في فترات الارتفاع الحاد. ويرى مؤيدو هذا التوجه أن المحروقات مادة استراتيجية تؤثر على جميع القطاعات، وأن التدخل التنظيمي ضروري. في المقابل، يحذّر معارضوه من تشويه آليات السوق، وتهديد جاذبية القطاع للاستثمار، مع صعوبة تنفيذ هذه الإجراءات دون قدرات رقابية ومالية ضخمة.
5. مصفاة سامير... بين السيادة الطاقية والجدوى الاقتصادية
يمثل مصير مصفاة "سامير" محوراً مهماً في النقاش حول الأمن الطاقي. فأنصار إعادة تشغيلها يرون فيها فرصة لتعزيز التخزين والتكرير وتقليص الاعتماد على الخارج. بينما تشدد الحكومة وخبراء آخرون على ضرورة دراسة الجدوى الاقتصادية، في ضوء المديونية القانونية للمصفاة، والتكاليف الباهظة لإعادة التأهيل، والتحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة عالمياً.
6. تداعيات اجتماعية واقتصادية مباشرة
رغم اختلاف المواقف، يتفق الجميع على أن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس سلباً على حياة المواطنين، عبر رفع تكاليف النقل، وزيادة أسعار السلع والخدمات، ما يضغط على ميزانيات الأسر في وقت يعرف تضخماً متصاعداً. أما المقاولات الصغرى والمتوسطة، فتجد نفسها أمام تحدي الحفاظ على تنافسيتها في ظل ارتفاع كلفة الخدمات اللوجستية والطاقة.
7. بين السوق والعدالة... أي توازن؟
يبقى ملف المحروقات تجسيداً حقيقياً لمعضلة السياسات الاقتصادية: كيف يمكن التوفيق بين حرية السوق وعدالة التوزيع، وبين جذب الاستثمار وحماية القدرة الشرائية؟ الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على تعديل الأسعار، بل على بناء نظام أكثر شفافية ومصداقية، قادر على استعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وفي نزاهة تدبير المال العام.
أزمة المحروقات في المغرب تتجاوز البعد الاقتصادي، لتصبح اختباراً للثقة في الحكامة والنزاهة. فوجود رئيس الحكومة كأكبر فاعل في هذا القطاع الحيوي، يطرح أسئلة أخلاقية لا يمكن تجاوزها بخطابات إنشائية، ويجعل كل تصريح رسمي يدّعي العجز أمام السوق يُقرأ كذريعة لحماية مصالح خاصة. وهذا تحديداً هو جوهر "النفاق السياسي" الذي يوسع الهوة بين الدولة والمواطن، ويجعل من الصعب بناء سياسة طاقية واضحة، قائمة على المصلحة العامة لا على المحسوبيات والنفوذ.
يبقى ملف المحروقات واحداً من أكثر القضايا الاقتصادية تعقيداً في المغرب، حيث يتشابك فيه الاقتصادي بالسياسي، والاجتماعي بالأخلاقي. وبين مطالب التدخل وتمسك الحكومة بالسوق، يظل التحدي الأكبر هو تعزيز الشفافية، وضمان المنافسة، وإعادة بناء الثقة، عبر سياسات واضحة وعادلة، تستجيب لانتظارات المواطنين، بعيداً عن الازدواجية والخطابات المتناقضة.