أزيلال زووم ـ الإدارة
بقلم : الدكتور رضوان المصطفى
يشهد القطاع السياحي في المغرب تحولات كبرى، إذ يواصل تحقيق أرقام قياسية تعكس نجاعة الاستراتيجيات المعتمدة.
ففي عام 2025، استقبل المغرب نحو 19.8 مليون سائح، بزيادة قدرها 14% مقارنة بعام 2024، لتتجاوز المملكة بذلك هدفها لسنة 2026 البالغ 17.5 مليون سائح قبل موعده بعام كامل. ولم تقف العائدات عند هذا الحد، إذ بلغت 138 مليار درهم (نحو 13.8 مليار دولار)، بارتفاع 21%. غير أن هذا النجاح الكبير، الذي ارتقى بالمغرب إلى المرتبة 22 عالميا، يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن للسياحة الداخلية أن تكون في آن واحد مجالا للرفاهية والترفيه، ومنصة للتضامن الاجتماعي والإدماج؟
تتوزع السياحة الداخلية في المغرب بين وجهين متباينين: الأول يستهدف الفئات الميسورة الباحثة عن الفخامة والتميز، والثاني يسعى إلى جعل السياحة في متناول الفئات الهشة والمعوزة، مع ما بينهما من فجوات وتباينات في الأسعار والخدمات والإمكانيات.
1. السياحة الداخلية: عمود فقري للقطاع
تشكل السياحة الداخلية ركيزة أساسية في المنظومة السياحية المغربية. فقد سجلت في عام 2025 ما يزيد عن 12.1 مليون ليلة مبيت، أي ما يمثل قرابة 28% من مجموع ليالي المبيت السياحية في المغرب. وفي تصريح لها أمام البرلمان، وصفت وزيرة السياحة فاطمة الزهراء عمور السائح المغربي بأنه "الزبون الأول"، مشيرة إلى أن السياحة الداخلية تعد "محركا للشغل والنمو المحلي والتنمية الجهوية".
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن قرابة نصف المغاربة (49%) يمارسون السياحة الداخلية مرة واحدة على الأقل سنويا، مع تفضيل واضح للسفر برفقة العائلة أو الأصدقاء. ومع ذلك، تبقى هذه السياحة مركزة موسميا، إذ يمكن أن يشكل شهر غشت وحده 40% من ليالي المبيت الوطنية، مما يطرح تحديات كبيرة تتعلق بتوزيع الطلب على مدار السنة.
2. سياحة الرفاهية: الفخامة في خدمة الميسورين
في الجانب الآخر من الطيف، تزدهر سياحة الرفاهية التي تستهدف الفئات الميسورة، سواء من المغاربة أو الأجانب. وتتجلى هذه السياحة في فنادق ومنتجعات فاخرة تقدم تجارب استثنائية بأسعار تنافسية تفوق بكثير متوسط دخل الأسرة المغربية.
ففي مراكش وحدها، تنتشر فنادق الخمس نجوم التي تتراوح أسعار لياليها حوالي 2,000 درهم فما فوق، وتضم منشآت مثل فندق المأمونية العريق وفندق المنصور. كما تشهد المدينة توسعا في الاستثمارات الفاخرة، حيث أعلنت مجموعة ريكسوس عن استثمار 300 مليون دولار لتطوير ثلاثة منتجعات فاخرة، أولها في مراكش على مساحة 26 هكتارا، يضم أكثر من 400 غرفة و60 فيلا.
وتتجاوز تجربة الرفاهية مجرد الإقامة الفاخرة، لتشمل حزمة من الخدمات المتميزة: غرفا فسيحة بأحدث التجهيزات التقنية، وخدمات متواصلة على مدار 24 ساعة، ومرافق ترفيهية راقية. ويؤكد خبراء القطاع أن مراكش باتت "وجهة عالمية للسياحة الفاخرة", مع تدفق استثمارات كبرى من سلاسل فندقية عالمية مثل IHG وKimpton وPark Hyatt.
هذا التوسع في سياحة الرفاهية، رغم أهميته الاقتصادية، يطرح إشكالية تتعلق بالعدالة المجالية والاجتماعية، إذ تتركز هذه الاستثمارات في مدن بعينها (مراكش، أكادير، طنجة)، بينما تظل مناطق شاسعة من المغرب خارج دائرة الاستثمار السياحي الفاخر.
3. السياحة التضامنية: رافعة للإدماج الاجتماعي
في المقابل، تنبثق نماذج سياحية بديلة تسعى إلى جعل السياحة أداة للتضامن الاجتماعي والإدماج. وتعرف السياحة التضامنية بأنها شكل من أشكال السياحة "البديلة" التي تعطي أولوية قصوى للناس واللقاء أثناء السفر، وتندرج في إطار تنمية مستدامة تراعي البعد الاجتماعي.ويزخر المغرب بمبادرات رائدة في هذا المجال. ففي منطقة البراشوة بإقليم زعير، أُطلق مشروع سياحي بـ"صفر درهم" استطاع أن يُشغّل 60 أسرة، محولا الدوار إلى قبلة لآلاف السياح. وتتوزع مبادرات مماثلة في مناطق متعددة، حيث تساهم السياحة القروية التضامنية في تشجيع السياحة الداخلية والتعريف بالمؤهلات الطبيعية والتراث اللامادي الذي تزخر به الأقاليم المغربية.
وعلى المستوى المؤسساتي، تعمل وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني على جعل السياحة "أحد محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المغرب"، مع سياسة تهيئة ترابية للعرض السياحي تضمن توزيع أرباح السياحة بشكل عادل. كما تسعى إلى تعزيز البعد الاجتماعي للتنمية المستدامة عبر تعميم التربية والتعليم، وضمان إدماج الفئات الهشة (الأطفال، والعمال المهاجرون، والساكنة المحلية، وذوو الاحتياجات الخاصة).
وفي هذا الإطار، يأتي برنامج "GO سياحة" الذي يهدف إلى دعم 1700 مقاولة سياحية بحلول سنة 2026. وقد شهد البرنامج تحسينات مهمة، من بينها رفع شرط المليون درهم كحد أدنى للاستثمار، مما فتح المجال أمام المشاريع الصغيرة والمبتكرة، بما فيها التعاونيات المحلية ومراكز الترفيه ودور الضيافة.
وتتضاعف أهمية هذه المبادرات في ظل تحديات الإقصاء الاجتماعي، حيث تسعى مؤسسة محمد الخامس للتضامن إلى محاربة الفقر والتهميش الاجتماعي والعمل من أجل إدماج اجتماعي اقتصادي أفضل للمحرومين، في سياق تولي الملك محمد السادس اهتماما خاصا لتحسين ظروف عيش الفئات المعوزة وترسيخ قيم التضامن والمواطنة الفاعلة.
4. فجوات وتحديات: بين الفخامة والإقصاء
رغم الجهود المبذولة، تبقى الفجوة بين سياحة الرفاهية والسياحة التضامنية واسعة. ففي حين ترتفع أسعار الفنادق الفاخرة إلى آلاف الدراهم في الليلة الواحدة، يبلغ متوسط ميزانية السفر للمغاربة حوالي 7,600 درهم للرحلة الواحدة. وتشير المعطيات إلى أن 66% من المغاربة يفضلون الإقامة في منازل للإيجار مقابل 29% فقط يختارون الفنادق، مما يعكس تفاوتا كبيرا في القدرة الشرائية.وتواجه السياحة الداخلية عموما تحديات عدة على مستوى النقل والعرض وتحفيزات الأسر. فمع أن المغرب يتوفر على أكثر من 300,000 سرير وأكثر من 5,000 مؤسسة سياحية عاملة، فإن توزيعها غير متوازن، وتظل الموسمية والسياحة القريبة (التي لا تتطلب سفرا بعيدا) هي السمة الغالبة.
ويدعو المهنيون إلى تطوير السياحة الداخلية طوال السنة، وعدم الاقتصار على فصل الصيف، وهو ما يتطلب إعادة النظر في فترات العطل لتكون مناسبة للأسر والمهنيين، مع العمل على توفير عروض ومنتوجات سياحية ملائمة لعادات المواطنين وقدراتهم المادية.
5. نحو سياحة داخلية متوازنة وشاملة
تدرك الحكومة المغربية هذه التحديات، وتعتمد استراتيجية مزدوجة تجمع بين النمو الدولي الطموح (باستهداف 26 مليون زائر بحلول 2030) والدفع المستدام لتوسيع وتنويع السياحة الداخلية.وتتجلى هذه الرؤية في حملة "نتلاڭاو فبلادنا" (لنلتق في بلدنا) التي أطلقها المكتب الوطني المغربي للسياحة، والتي تهدف إلى تشجيع المغاربة على استكشاف تنوع المجال الترابي وتكرار الرحلات طوال السنة. ويطمح المسؤولون إلى جعل السياحة الداخلية "وسيلة للتوازن المجالي والمرونة الاقتصادية والارتقاء بالتجربة السياحية في المغرب".
ويبدو أن هذه الاستراتيجية بدأت تؤتي ثمارها، إذ سجلت ليالي المبيت الداخلية ارتفاعا بنسبة 4% في يناير 2026، مع مكاسب ملحوظة في وجهات جديدة مثل إفران (74%) والجديدة (48%) والدار البيضاء (41%)، مما يعكس تنوعا تدريجيا في اختيارات الوجهات.
تقف السياحة الداخلية في المغرب عند مفترق طرق: إما أن تظل حكرا على الفئات الميسورة القادرة على تحمل تكاليف الإقامات الفاخرة في الفنادق المصنفة، أو أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية والتضامن الاجتماعي، تتيح للفئات الهشة والمناطق المهمشة فرصة الاندماج في الدينامية السياحية.
والمغرب، بفضل تنوعه الطبيعي والثقافي وغناه التراثي، مؤهل لأن يكون نموذجا في المزج بين هذين المسارين. فسياحة الرفاهية والفخامة يمكن أن تظل مصدرا مهما للعائدات وخلق فرص الشغل، شريطة أن تقترن بسياسات تضامنية تضمن توزيعا عادلا للثروة السياحية، وتشجيعا للمبادرات المحلية، وإدماجا للفئات الهشة في نسيج القطاع.
الرهان اليوم هو تحويل السياحة الداخلية من مجرد نشاط ترفيهي لفئة محدودة إلى أداة للتنمية البشرية المستدامة، تعكس قيم التضامن والتآزر التي تمثل جوهر الهوية المغربية، وتجعل من المغرب وجهة سياحية للجميع، وليس فقط للميسورين.
